المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فصل لله سُبْحَانَهُ على عَبده أَمر أمره بِهِ وَقَضَاء يَقْضِيه عَلَيْهِ ونعمة ينعم



mostafa dz
09-24-2012, 12:58 AM
http://www.enjaztech.com/up/i/0000*/tp*owonmy3tq.png



فصل لله سُبْحَانَهُ على عَبده أَمر أمره بِهِ وَقَضَاء يَقْضِيه عَلَيْهِ ونعمة ينعم


بهَا عَلَيْهِ فَلَا يَنْفَكّ من هَذِه الثَّلَاثَة وَالْقَضَاء نَوْعَانِ إِمَّا مصائب وَإِمَّا معائب وَله عَلَيْهِ عبودية فِي هَذِه الْمَرَاتِب كلهَا فَأحب الْخلق إِلَيْهِ من عرف عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب ووفاها حَقّهَا فَهَذَا أقرب الْخلق إِلَيْهِ وأبعدهم مِنْهُ من جهل عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب فعطلها علما وَعَملا فعبوديته فِي الْأَمر وامتثاله اخلاصا واقتداءا برَسُول الله وَفِي النَّهْي اجتنابه خوفًا مِنْهُ وإجلالا ومحبة وعبوديته فِي قَضَاء المصائب الصَّبْر عَلَيْهَا ثمَّ الرِّضَا بهَا وَهُوَ أَعلَى مِنْهُ ثمَّ الشُّكْر عَلَيْهَا وَهُوَ أَعلَى من الرِّضَا وَهَذَا إِنَّمَا يأتى مِنْهُ إِذا تمكن حبه من قلبه وَعلم حسن اخْتِيَاره لَهُ وبره بِهِ ولطفه بِهِ وإحسانه إِلَيْهِ بالمصيبة وَإِن كره الْمُصِيبَة وعبوديته فِي قَضَاء المعائب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا والتنصل وَالْوُقُوف فِي مقَام الِاعْتِذَار والانكسار عَالما بِأَنَّهُ لَا يرفعها عَنهُ إِلَّا هُوَ وَلَا يَقِيه شَرها سواهُ وَأَنَّهَا إِن استمرت أبعدته من ربه وطردته من بَابه فيراها من الضّر الَّذِي لَا يكشفه غَيره حَتَّى انه ليراها أعظم من ضرّ الْبدن فه عَائِذ بِرِضَاهُ من سخطه وبعفوه من عُقُوبَته وَبِه مِنْهُ مستجير وملتجىء مِنْهُ اليه بِعلم أَنه إِن تخلى عَنهُ وخلى بَينه وَبَين نَفسه فعده أَمْثَالهَا وَشر مِنْهَا وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الإقلاع وَالتَّوْبَة إِلَّا بتوفيقه وإعانته وَأَن ذَلِك بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ لَا بيد العَبْد فَهُوَ أعجز وأضعف وَأَقل من أَن يوفق نَفسه أَو يَأْتِي بمرضاة سَيّده بِدُونِ إِذْنه ومشيئته وإعانته فَهُوَ ملتجىء إِلَيْهِ متضرع ذليل مِسْكين مُلْقٍ نَفسه بَين يَدَيْهِ طريح بَابه مستخذله أذلّ شَيْء وأكسره لَهُ وأفقره وأحوجه إِلَيْهِ وأرغبه فِيهِ وأحبه لَهُ بدنه متصرف فِي أشغاله وَقَلبه ساجد بَين يَدَيْهِ يعلم يَقِينا انه لَا خبر فِيهِ وَلَا لَهُ وَلَا بِهِ وَلَا مِنْهُ وَأَن الْخَيْر كُله لله وَفِي يَدَيْهِ وَبِه وَمِنْه فَهُوَ ولي نعْمَته ومبتدئه بهَا من غير اسْتِحْقَاق ومجريها عَلَيْهِ مَعَ تمقته إِلَيْهِ بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سُبْحَانَهُ الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء وحظ العَبْد الذَّم وَالنَّقْص وَالْعَيْب قد اسْتَأْثر بالمحامد والمدح وَالثنَاء وَولى العَبْد الْمَلَامَة والنقائص ولعيوب فَالْحَمْد كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَالْفضل كُله لَهُ وَالثنَاء كُله لَهُ والْمنَّة كلهَا لَهُ فَمِنْهُ الْإِحْسَان وَمن العَبْد الْإِسَاءَة وَمِنْه التودد إِلَى العَبْد بنعمه وَمن العَبْد التبغض إِلَيْهِ بمعاصيه وَمِنْه النصح لعَبْدِهِ وَمن العَبْد الْغِشّ لَهُ فِي مُعَامَلَته
وَأما عبودية النعم فمعرقتها وَالِاعْتِرَاف بهَا أَولا ثمَّ العياذ بِهِ أَن يَقع فِي قلبه نسبتها وإضافتها إِلَى سواهُ وَإِن كَانَ سَببا من الْأَسْبَاب فَهُوَ مسببه ومقيمه فالنعمة مِنْهُ وَحده بِكُل وَجه وَاعْتِبَار ثمَّ الثَّنَاء بهَا عَلَيْهِ ومحبته عَلَيْهَا وشكره بِأَن يستعملها فِي طَاعَته وَمن لطائف التَّعَبُّد بِالنعَم أَن يكثر قليلها عَلَيْهِ ويستقل كثير شكره عَلَيْهَا وبعلم أَنَّهَا وصلت إِلَيْهِ من سَيّده من غير ثمن بذله فِيهَا وَلَا وَسِيلَة مِنْهُ توسل بهَا إِلَيْهِ وَلَا اسْتِحْقَاق مِنْهُ لَهَا وَأَنَّهَا لله فِي الْحَقِيقَة لَا للْعَبد فَلَا تزيده النعم إِلَّا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وَكلما جدد لَهُ نعْمَة أحدث لَهَا عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وَكلما أحدث لَهُ قبضا أحدث لَهُ رضى وَكلما أحدث ذَنبا أحدث لَهُ تَوْبَة وانكسارا واعتذارا فَهَذَا هُوَ العَبْد الكيّس وَالْعَاجِز بمعزل عَن ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق


الكتاب: الفوائد
المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: *51هـ)





http://www.enjaztech.com/up/i/0000*/jjj4b3innbo3.gif